السيد كمال الحيدري
418
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
إن هذا الوعي السياسي العميق هو رسالة السلام الحقيقي في العالم ، وإن هذه الرسالة المنقذة لهي رسالة الإسلام الخالدة التي استمدّت نظامها الاجتماعي المختلف عن كلّ ما عُرض من أنظمة بشرية من قاعدة فكرية جديدة للحياة والكون ، وقد أوجد الإسلام بتلك القاعدة الفكرية النظرة الصحيحة للإنسان إلى حياته ، فجعله يؤمن بأنّ حياته منبثقة من مبدأ الكمال المطلق ، وأنها إعداد للإنسان إلى عالم لا عناء فيه ولا شقاء ، ونصب له مقياساً خلقياً جديداً في كلّ خطواته وأدواره وهو رضا الله تعالى . فليس كلّ ما تفرضه المصلحة الشخصية فهو جائز وكلّ ما يؤدّي إلى خسارة شخصية فهو محرم غير مستساغ ، بل الهدف الذي رسمه الإسلام للإنسان في حياته هو الرضا الإلهي ، والمقياس الخلقي الذي توزن به جميع الأعمال إنما هو مقدار ما يحصل بها من هذا الهدف المقدّس . والإنسان المستقيم هو الإنسان الذي يحقق هذا الهدف ، والشخصية الإسلامية الكاملة هي الشخصية التي سارت في شتى أشواطها على هُدى هذا الهدف وضوء هذا المقياس وضمن إطاره العامّ . وليس هذا التحويل في مفاهيم الإنسان الخلقية وموازينه وأغراضه يعني تغيير الطبيعة الإنسانية وإنشاءها إنشاءً جديداً كما كانت تعني الفكرة الشيوعية . فحبّ الذات أي حبّ الإنسان لذاته وتحقيق مشتهياتها الخاصّة طبيعي في الإنسان ، ولا نعرف استقراء في ميدان تجريبيّ أوضح من استقراء الإنسانية في تأريخها الطويل الذي يبرهن على ذاتية حبّ الذات ، بل لو لم يكن حبّ الذات طبيعياً وذاتياً للإنسان لما اندفع الإنسان الأول قبل كلّ تكوينة اجتماعية إلى تحقيق حاجاته